الشيخ الطبرسي

131

تفسير جوامع الجامع

أو : لأنَّهُ كَلام حَكيم ، فَوُصِفَ بصفةِ المتكلِّمِ بِه ( إنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ) جَوابُ القَسَمِ ( عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم ) خَبرٌ بعدَ خَبر ، أو صِلَةٌ ل‍ ( الْمُرسَليِن ) ( 1 ) أي : إنَّكَ لَمِنَ الرُّسُلِ الثَّابتينَ على طَريق ثَابت وشَريعة واضِحَة . وقُرئ : ( تَنْزِيلَ ) بالرَّفع ( 2 ) على أنَّهُ خَبرُ مبتدأ مَحذُوف ، وبالنَّصبِ على : أعني . ( لِتُنْذِرَ قَوْماً ) لَمْ يُنْذَرْ ( ءَابَاؤُهُمْ ) قَبلهُم ، لأنَّهم كانُوا في زَمانِ الفَتْرةِ بين عيسى ونبيِّنا ( عليهما السلام ) ، وَمثلُهُ : ( لِتُنْذِرَ قَوْماً مَاءاتهُمْ مِنْ نَذِير مِنْ قَبْلِكَ ) ( 3 ) ( وَمَا أَرْسَلْنَا إلَيْهمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِير ) ( 4 ) فيكونُ ( مَا أُنْذِرَ ءَابَاؤُهُمْ ) في موضع نَصْب علَى الصِّفةِ . وقد فُسِّرَ ( مَا أُنْذِرَ ) على إثباتِ الإِنْذارِ بأَنْ جعلَ " مَا " مصدريَّةً بمعنى : لَتُنذرَ قَومَاً إنْذارَ آبائهم ، أو : موصُولةً منصوبةً علَى المفعولِ الثاني بمعنى : لِتُنذرَ قَومَاً ما أُنْذِرَ آباؤُهُم من العَذَابِ كقولِهِ : ( إنَّا أنْذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَريباً ) ( 5 ) . وقَولُهُ : ( فَهُمْ غَافِلُونَ ) على التَّفسير الأوَّل يَتَعَلَّقُ بالنَّفْيِ ، أي : لَم يُنذَروا فَهُم غَافِلُونَ ، على أنَّ عَدَمَ إنْذارِهِم سَبَبُ غَفْلَتِهِم ، وعلَى الثَاني يَتَعَلَّقُ بقَولِهِ : ( إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ ) لِتُنْذِرَ ، كَما تقُولُ : أَرسَلْتُكَ إلى فُلان لِتُنذِرَهُ فإنَّه غَافِلٌ . ( لَقَد حَقَّ القَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ ) وهو قَولُهُ سبحانَهُ : ( لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) ( 6 ) أي : ثَبتَ عليهِم هذا القَولُ وَوَجَبَ لأنَّهم ممَّن عُلِمَ من حَالِهم أنَّهم يَموتُونَ على الكُفْر .

--> ( 1 ) ليس في نسختين : " أو صلة للمرسلين " . ( 2 ) قرأه ابن كثير ونافع وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 539 . ( 3 ) القصص : 46 . ( 4 ) سبأ : 44 . ( 5 ) النبأ : 40 . ( 6 ) هود : 119 .